الكرامات

الكرامات

 إن منهج التصوف الإسلامي مبني على أسس قرآنية ثابتة باقية إلى يوم الدين:

تقديم حب الله سبحانه وتعالى ورسوله ﷺ على كل عاطفة أو تعلُّق: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّـهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة/٢٤)، ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران/31).

  • محاربة النفس الأمّارة بالسوء والغرائز السيئة: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ (النازعات/٤٠).
  • الدعوة المستمرة إلى الله بالحكمة والطرق السلمية: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل/١٢٥).

فكل من يسلك هذا الطريق بإخلاص ويحقّق شروطه يحصل على ما وعد به الله عباده الصالحين، ومن النعم التي يهبها الله له خوارق للعادات. وميّز علماء المسلمين المتأخرين بين خوارق العادات التي وقعت على أيدي الأنبياء، الذين هم عباد اصطفاهم الله وقرّبهم وأوحى إليهم، والتي حدثت وتحدث على أيدي أولياء الله الصالحين، الذين هم عباد أدناهم الله منه. فأطلقوا على خوارق الأنبياء اصطلاح «معجزات»، فيما سمّوا خوارق الأولياء بتعبير «كرامات». ومصدر هذا المصطلح هو أن في هذه الخوارق «تكريم» من الله لأولياءه لإخلاصهم وصدق عبوديّتهم له.

وهذه آيات صريحة في حصول الكرامات للصالحين في الحياة الدنيا:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ (فُصِّلَت/٣٢).

ويذكر الله تعالى هذه الحقيقة مرة ثانية في هذه الآيات الكريمة:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّـهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّـهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (يونس/٦٤).

ومما نَقَلَ الرسول ﷺ عن ربه عز وجل الحديث القدسي[1] التالي الذي يبيّن تكريم الله لأولياءه بخوارق العادات:

مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ. وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ. وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ.[2]

إلا أن الكرامة لم تكن يوماً غاية طالبي الله عز وجل، فالمريد هو من يريد القرب من الله، وذلك غايته ومنتهاه. ولكن الكرامة هي من ثمرات ودلائل السير على طريق الله.

إن أحد الفروقات المهمة بين المعجزة والكرامة هي أن النبي مأمور إطلاقا بالكشف عن معجزاته وإعلانها للناس: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضُّحى/١١). أما الكرامات فهي على صنفين: ما يجب ستره وما يتوجب إعلانه. ويتضمن النوع الأول خوارق العادات التي تحصل للسالك في عباداته أو منامه أو حياته اليومية والتي يرزقها الله أيّاها ليثبته على الطريق المستقيم ويطمئن قلبه ويقرّ عينه. ولأن هذه عطايا خاصة لذلك الشخص العابد فإن حضرة الشيخ محمد المحمد الكَسْنَزان يؤكد على ضرورة كتمان المريد لها أو إعلانها لشيخه فقط. والنوع الثاني من الكرامات تحدث في سياق الدعوة إلى الله، ولذلك ينطبق عليها من ناحية الإعلان ما ينطبق على معجزات الأنبياء، فيُستَحسن الإعلان عنها ليعتبر بها الناس. والكرامات التي يجمعها هذا الكتاب هي من صنف الكرامات الإرشادية، فحق إعلانها وإعلام الناس بها، والله من وارء القصد.

[1]  الأحاديث القدسية هي وحي من الله عز وجل إلى النبي محمد ﷺ ولكنها ليست من الوحي القرآني.

[2]  الجامع الصحيح للبخاري، كتاب «الرّقاق»، حديث 6273، الجزء الثالث، ص 493، الرياض، 2008.

جميع الحقوق محفوظة © 2016 كسنزان وي

Print Friendly, PDF & Email
Share

Comments are closed